في خطوة وُصفت بأنها “نقلة نوعية” في مسار الانفتاح الاقتصادي، بدأت المملكة العربية السعودية مطلع عام 2026 تفعيل الأنظمة والضوابط الجديدة التي تسمح للشركات المساهمة المدرجة في السوق المالية بتملك العقارات في مختلف أنحاء المملكة، بما في ذلك المدن المقدسة (مكة المكرمة والمدينة المنورة). ويأتي هذا القرار بعد صدور المرسوم الملكي رقم (م/14) الذي أقر نظام “تملك غير السعوديين للعقار”، ومن ثم إعلان هيئة السوق المالية عن الضوابط المنظمة التي تتيح للمستثمرين الأجانب الاستثمار في أسهم الشركات العقارية التي تمتلك أصولاً في الحرمين الشريفين.
وتتمثل جوهر التعديلات في استثناء الشركات المساهمة المدرجة من “مدلول عبارة غير السعودي” في سياق تملك العقار، مما يسمح لهذه الكيانات بتملك الأصول العقارية لتنفيذ مشاريعها أو ممارستها لأنشطتها الاستثمارية والتشغيلية، شريطة الالتزام بضوابط الإفصاح والحوكمة التي تضعها هيئة السوق المالية، بما يضمن الشفافية ويحمي المصالح الوطنية في المناطق الحساسة.
الأثر الاقتصادي: خارطة طريق لتعميق السوق وجذب السيولة
يمثل هذا القرار محفزاً اقتصادياً ضخماً يتجاوز قطاع العقار ليصل إلى عمق الاقتصاد الكلي والمحلي، ويمكن تلخيص أبرز آثاره في النقاط التالية:
• تدفقات استثمارية أجنبية ضخمة: من المتوقع أن يؤدي السماح للأجانب بالاستثمار في أسهم الشركات التي تملك عقارات بمكة والمدينة إلى جذب مليارات الدولارات من الصناديق العالمية. هذا التوجه سيزيد من الوزن النسبي للسوق السعودي في المؤشرات العالمية مثل (MSCI) و(FTSE Russell)، مما يعني دخول سيولة مؤسسية مستدامة.
• رفع كفاءة القطاع العقاري: عبر دخول الشركات المدرجة بقوة في تملك وتطوير الأراضي، سينتقل القطاع من “العشوائية أو الفردية” إلى “المأسسة”. هذا التحول سيؤدي إلى ابتكار منتجات عقارية جديدة، وتحسين جودة البناء، وزيادة المعروض العقاري بما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030.
• تعزيز الملاءة المالية للشركات: تملك العقارات كأصول ثابتة في ميزانيات الشركات المدرجة سيعزز من قدرتها على الاقتراض والتمويل للتوسع في عملياتها، مما ينعكس إيجاباً على نمو القطاع الخاص ومساهمته في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.
• انتعاش القطاعات المرتبطة: سيخلق هذا الحراك العقاري فرص عمل واسعة في مجالات الإنشاءات، والوساطة العقارية، وإدارة الأملاك، والتقنيات العقارية (PropTech)، مما يسهم في خفض معدلات البطالة وتوطين الوظائف النوعية.
تحديات التوازن: الحفاظ على استقرار الأسعار
على الرغم من المكاسب الكبيرة، يشير المحللون إلى ضرورة وجود رقابة صارمة لمنع نشوء “فقاعة عقارية” أو ارتفاعات غير مبررة في الأسعار قد تؤثر على قدرة المواطنين الشرائية. ولذلك، وضعت الهيئة العامة للعقار وهيئة السوق المالية اشتراطات تضمن أن يكون التملك لغايات تنموية واستثمارية حقيقية، وليس لمجرد المضاربة السعرية، مع فرض رسوم وتكاليف تضمن تدوير الأراضي وتطويرها في مدد زمنية محددة.
بهذا القرار، ترسخ السعودية مكانتها كمركز استثماري عالمي رائد، موفرةً بيئة قانونية مرنة تتسم بالشفافية والوضوح، ومحولةً الأصول العقارية من مجرد مخزن للثروة إلى محرك حيوي للنمو الاقتصادي المستدام.




































